سال تدخل أوروبا للمرة الأولى بالاستحواذ على أفيابارتنر لييج

Category: Mobility & Logistics

By Irfan Asif

Published: 2026-08-03T10:37:08.000Z

أتمّت الشركة السعودية للخدمات اللوجستية سال استحواذها على أفيابارتنر لييج البلجيكية مقابل نحو 31 مليون دولار. والصفقة صغيرة، لكن الكلمة المهمة هي الأول، إذ تمثل المرة الأولى التي تعمل فيها شركة مناولة الشحن السعودية خارج المملكة.

الكلمة المهمة في هذا الخبر هي الأول. فقد أتمّت الشركة السعودية للخدمات اللوجستية سال استحواذها على أفيابارتنر لييج (Aviapartner Liège)، الشركة البلجيكية للخدمات الأرضية للشحن الجوي، ورغم أن الصفقة نفسها متواضعة بقيمة تقارب 120 مليون ريال، أي نحو 31.4 مليون دولار، فإنها تمثل المرة الأولى التي تعمل فيها سال خارج المملكة العربية السعودية. فشركة مناولة شحن محلية أمضت مسيرتها كلها داخل المطارات السعودية رفعت للتو رايتها في أحد أكثر منافذ الشحن ازدحاماً في أوروبا، وهذا الانتقال من لاعب وطني إلى مشغل دولي هو ما يجعل صفقة صغيرة جديرة بالاهتمام. وتفاصيل الصفقة واضحة وتستحق العرض. فقد استحوذت سال على 100% من رأس مال أفيابارتنر لييج على أساس خالٍ من النقد والديون، ودفعت نقداً من مواردها الذاتية بعد الحصول على جميع الموافقات التنظيمية المطلوبة. واتُّفق على الصفقة أولاً في مطلع مارس 2026، وأُتمّت رسمياً في بداية أغسطس، وكان البائع الشركتين الأم البلجيكيتين لـأفيابارتنر. وما اشترته سال نشاط تشغيلي حقيقي لا شركة صورية، إذ تقدم أفيابارتنر لييج خدمات المناولة الأرضية والشحن، وتعمل ضمن شبكة تمتد إلى 75 مطاراً في أوروبا وأفريقيا، وحققت إيرادات تراوحت بين 24 و28 مليون يورو سنوياً على مدى السنوات الثلاث الماضية، أي نشاط يعادل حجمه تقريباً السعر الذي دفعته سال. ويوسّع إتمام الصفقة شبكة سال إلى 20 محطة، ويمنحها، بحسب وصفها، عمقاً تشغيلياً فورياً في أوروبا في مناولة الشحن الجوي ومعالجة الشحنات المتخصصة والخدمات اللوجستية للمستودعات والتوزيع البري الأوروبي. واختيار لييج هو الجانب الذكي استراتيجياً، وليس مصادفة. فمطار لييج من أبرز مراكز الشحن المخصصة في أوروبا، وهو مطار يعطي الأولوية للشحن وينقل ملايين الأطنان سنوياً ويخدم كبرى شركات الطيران واللاعبين اللوجستيين العالميين، وهو تحديداً نوع الأصول الذي يصعب بناؤه من الصفر وتكمن قيمته في امتلاكه بالكامل. وباستحواذها على مشغل راسخ هناك بدلاً من محاولة دخول السوق من دون أي حضور مسبق، تحصل سال على موطئ قدم فوري وفاعل في نقطة محورية من شبكة الشحن الجوي الأوروبية، بما يشمل علاقات قائمة مع شركات الطيران وبنية تحتية في المطار. وهذا منطق الشراء بدلاً من البناء: أن تدفع مقابل شيء يعمل بالفعل ولديه عملاء بالفعل، وتتجاوز سنوات الخسائر التي ترافق دخول سوق ناضجة وتنافسية بوصفك اسماً غير معروف. وعلى الصعيدين الإقليمي والاستراتيجي، تكشف هذه الصفقة المتواضعة وزنها الحقيقي، لأنها تجسيد ملموس لأحد الطموحات الاقتصادية المحورية للمملكة العربية السعودية. فالمملكة لا تريد نقل البضائع عبر أراضيها فحسب، بل تريد أن تصبح مركزاً لوجستياً عالمياً حقيقياً، وهو هدف رسّخته الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية ضمن رؤية 2030، ويقوم هذا الطموح على حقيقة جغرافية بسيطة، هي أن المملكة تقع عند ملتقى آسيا وأوروبا وأفريقيا ويمكنها أن تمرر عبرها حصة معتبرة من التجارة العالمية. لكن التحول إلى مركز يتطلب أكثر من بنية تحتية محلية، إذ يتطلب امتلاك نقاط في الشبكة العالمية والتحكم فيها، وهذا تحديداً ما يحققه الاستحواذ في لييج. فبتأسيس قاعدة تشغيلية في أوروبا، تنشئ سال رابطاً مباشراً تتحكم فيه الشركة للشحنات المتدفقة بين المملكة وأوروبا والأسواق العالمية الأوسع، ما يعزز الربط الذي تعتمد عليه استراتيجية المركز كلها. وينسجم ذلك مع نمط أوسع لاستحواذ شركات الخدمات اللوجستية والبنية التحتية السعودية والخليجية على أصول دولية لبناء شبكات متكاملة، من الموانئ إلى المطارات إلى التوزيع، ويضع سال في منافسة إقليمية مألوفة مع شركات مثل موانئ دبي العالمية الإماراتية ومشغلين خليجيين آخرين يتبعون نهج التوسع العالمي ذاته. أما التحفظات الموضوعية فهي تلك التي ترافق أي خطوة دولية أولى. فالعمل في أوروبا يعني التعامل مع بيئة تنظيمية مختلفة وقواعد عمل مختلفة ومنافسين محليين راسخين، كما أن دمج نشاط أجنبي، والاحتفاظ بموظفيه وعملائه وخبرته التشغيلية، هو المجال الذي يتعثر فيه كثير من الاستحواذات الخارجية بصمت. وصفقة بقيمة 31 مليون دولار هي أيضاً خطوة أولى صغيرة عن قصد، أقرب إلى جس النبض منها إلى الانطلاق الكامل، وهو نهج منطقي لشركة تعمل في الخارج لأول مرة، لكنه يعني أن الاختبار الحقيقي لطموحات سال الدولية لا يزال قادماً. ومع ذلك، فإن الاتجاه واضح والمنطق سليم. فشركة خدمات لوجستية سعودية لم تعد سعودية بحتة، إذ اشترت بأموالها الخاصة قاعدة عاملة في مركز شحن أوروبي رئيسي، واتخذت أول خطوة ملموسة نحو تحويل خطاب رؤية 2030 حول الريادة اللوجستية العالمية إلى شبكة دولية فعلية. وسيكشف ما إذا كانت سال ستبني على موطئ القدم هذا أو ستتركه صفقة منفردة الكثير عن مدى جدية توجه المملكة نحو عولمة قطاعها اللوجستي.