شح المستودعات في جدة يدفع إلى استثمار لوجستي جديد
Category: Mobility & Logistics
By Irfan Asif
Published: 2026-07-28T13:25:45.000Z
أطلقت المملكة العربية السعودية ما وصفته بأنه أول صندوق استثماري متخصص في الخدمات اللوجستية، بقيمة 650 مليون ريال لتطوير مدينة لوجستية متكاملة في جدة. وهو مشروع متواضع يعالج مشكلة ملحّة في مدينة بلغت فيها نسبة إشغال المستودعات 97%.
يبدو وصف المدينة اللوجستية أكبر مما يُبنى فعلاً هنا، ومن المفيد تحديد الحجم بدقة قبل تناول سبب أهمية هذا المشروع الذي يبدو متواضعاً. فقد أطلقت المملكة العربية السعودية ما يُقدَّم على أنه أول صندوق استثماري متخصص في الخدمات اللوجستية، بإجمالي استثمارات يبلغ 650 مليون ريال، أي نحو 173 مليون دولار، لتطوير مدينة لوجستية متكاملة في جدة. وليس هذا مشروعاً عملاقاً على غرار نيوم، بل تطوير محدد على مساحة 320,000 متر مربع شمال جدة، في منطقة الكوثر جنوب الحمدانية، يستهدف مشكلة محددة تزداد إلحاحاً، وهي أن جدة تنفد فيها مساحات المستودعات. والأرقام الكامنة وراء هذه المشكلة هي ما يجعل المشروع منطقياً. فقد بلغت نسبة إشغال المستودعات في جدة 97% خلال عام 2024، من إجمالي معروض يُقدَّر بنحو 18 مليون متر مربع، فيما لم يكن هذا المعروض ينمو إلا بنحو 4.8% سنوياً. ونسبة إشغال تبلغ 97% تعني عملياً امتلاء السوق، وهي النقطة التي تجد عندها الشركات صعوبة في العثور على مساحات حديثة للتخزين والتوزيع بتكلفة معقولة، ويدفعها مزيج من ارتفاع أحجام التجارة والتوسع في الصناعة وتجارة التجزئة والنمو المطرد للتجارة الإلكترونية، ما رفع الطلب على المستودعات الحديثة ومراكز التوزيع الفعّالة. ويُتوقع أن توفر المدينة اللوجستية الجديدة ما يعادل نحو 5% من احتياجات سوق المستودعات في جدة، وهو إسهام ملموس في سد الفجوة بين العرض والطلب لا تحول جذري، ومن المستهدف إطلاقها بنهاية 2027. وتطوّر المشروع شركة ميسان للتطوير العقاري (Missan for Real Estate Development)، التي عرض رئيس مجلس إدارتها ماهر بلال الخطة، إلى جانب شركاء استراتيجيين منهم أنصاب للمقاولات العامة (Ansab General Contracting). ويتوقع المطورون إنجاز أعمال البنية التحتية الرئيسية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، مع استمرار بعض الأعمال الداخلية بالتوازي مع تشكّل المدينة. وما يمنح هذا الصندوق تحديداً أهميته هو هيكله لا حجمه. إذ يُقدَّم على أنه أول صندوق استثماري مخصص للخدمات اللوجستية في المملكة، وهذا مهم لأنه يشير إلى تحويل فئة أصول تسعى المملكة جاهدة إلى توسيعها إلى أداة استثمارية مالية. فتحويل المستودعات والأراضي اللوجستية إلى صندوق يمكن للمستثمرين ضخ الأموال فيه هو السبيل لتوجيه رأس المال الخاص بكفاءة إلى القطاع وبسرعة، وهو ما يتسق مع نمط تضع فيه الدولة الاستراتيجية ويتولى المال الخاص البناء. ويسري هذا النموذج في مجمل التوجه اللوجستي للمملكة، إذ أشار بلال إلى أن إجمالي عدد المناطق اللوجستية داخل الموانئ السعودية ارتفع إلى 34 منطقة، باستثمارات تبلغ نحو 15 مليار ريال، والأكثر دلالة أنها ممولة بالكامل من القطاع الخاص. وفي السياق الإقليمي والاستراتيجي يتضح أن مشروعاً بقيمة 173 مليون دولار ليس سوى قطعة صغيرة في لوحة كبيرة جداً. فالخدمات اللوجستية ركيزة أساسية في رؤية 2030، وتقوم على فكرة بسيطة مفادها أن جغرافيا المملكة، المطلة على البحر الأحمر عند ملتقى آسيا وأوروبا وأفريقيا، يمكن أن تتحول إلى ميزة تجارية حقيقية إذا توفرت البنية التحتية اللازمة لاستثمارها. وتهدف الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية صراحة إلى جعل المملكة مركزاً عالمياً لسلاسل الإمداد، وتتراوح تقديرات قيمة القطاع بين 100 و120 مليار ريال سنوياً، مع استهداف نموه بنسبة تتراوح بين 8 و10% سنوياً حتى 2030. وتقع جدة في قلب هذا الطموح، وتأتي المدينة اللوجستية الجديدة وسط نشاط مكثف حول ميناء جدة الإسلامي. ففي الأشهر الأخيرة، دشّنت المملكة ما وصفته بأنه أكبر محطة للشاحنات في العالم في الميناء على مساحة مليون متر مربع، ووقّعت سبع اتفاقيات تتجاوز قيمتها مليار ريال في يوم التدشين، والتزمت بنحو 171 مليون دولار مع محطة بوابة البحر الأحمر (Red Sea Gateway Terminal) وموانئ دبي العالمية لتوسيع قدرات مناولة البضائع، وافتتحت أكبر منطقة لوجستية لـميرسك على مستوى العالم باستثمارات تبلغ 1.3 مليار ريال. كما افتتحت أجيليتي بشكل منفصل مجمعاً لوجستياً بقيمة 611 مليون ريال في المدينة أواخر العام الماضي. وعلى هذه الخلفية تتضح الصورة، فالمملكة لا تضع رهاناً كبيراً واحداً على الخدمات اللوجستية في جدة، بل عشرات الرهانات المتداخلة، من الموانئ ومحطات الشاحنات إلى المستودعات والآن صندوق استثماري مخصص، مضيفة طاقة استيعابية فوق أخرى. والتحفظ الصريح أن هذه الكثافة الاستثمارية تحمل مخاطرها الخاصة، إذ يُضاف المعروض بسرعة كبيرة عبر مشاريع عديدة في وقت واحد، ونسبة الإشغال البالغة 97% التي تبرر البناء اليوم قد تتراجع إذا لم يواكب نمو الطلب كل المساحات التي ستدخل السوق حتى 2027 وما بعده. لكن المنطق الاستراتيجي سليم، فمستودعات جدة ممتلئة، ومينائها يتوسع، وأحجام تجارتها في ازدياد، وصندوق محدد الهدف يضيف 5% إلى معروض المستودعات ويستقطب رأس المال الخاص هو بالضبط نوع الاستثمار الموجّه والمستجيب للسوق الذي يحتاجه مركز لوجستي آخذ في النضج إلى جانب مشاريعه العملاقة البارزة.