الذكاء الاصطناعي يلغي المهام أسرع مما تعيد المؤسسات تصميم الوظائف

Category: Jobs & Talent

By Irfan Asif

Published: 2026-09-15T07:00:00.000Z

تصل الأتمتة مهمةً تلو أخرى، والوظائف مجموعات من المهام. وحين تختفي المهام القابلة للإلغاء وتبقى المجموعة، لا تكون النتيجة الاستغناء عن موظف، بل دوراً فقد معناه يشغله شخص لم يتحدث إليه أحد.

يدور النقاش حول الذكاء الاصطناعي والتوظيف عادةً حول أعداد الموظفين، وهي وحدة القياس الخطأ. فالأتمتة لا تأتي في صورة إلغاء وظيفة، بل في صورة مهام تختفي من وظائف تظل قائمة، والمهام التي تختفي أولاً هي الأكثر انتظاماً. ولننظر إلى ما جرت أتمتته فعلاً في هذه السوق. تستخدم أنظمة تكامل (Takamol) النماذج اللغوية الكبيرة والتحليلات لمراجعة أكثر من 300,000 طلب لمسميات وظيفية شهرياً، وتطابق كل طلب مع ترخيص المنشأة التي تقدمه. ورقمنت سال (SAL) وعلم عبر منصة كارغو غيت (CargoGate) استلام الشحنات والإفراج عنها في محطات الشحن، بعد تجربة أولية بلغت نسبة التبني التشغيلي فيها 92% في الرياض وجدة والدمام والمدينة المنورة. أما منصة التسجيل في دائرة الأراضي والأملاك في دبي فتقرأ وثائق الهوية والعقود وتعبّئ الحقول تلقائياً، وتقول الدائرة إن ذلك يقلّص إدخال البيانات بنسبة تصل إلى 80%. ولم يُلغِ أي من هذه الأنظمة دوراً وظيفياً، بل ألغى كل منها حجماً كبيراً من نوع محدد من العمل: مطابقة مستند مع قاعدة، ونقل معلومات من نموذج إلى آخر، والإفراج عن شحنة بناءً على أوراقها. وكان هذا العمل موزعاً على وظائف كثيرة، وكان في بعضها يشكل معظم ما يقوم به الموظف. وهنا تنشأ الفجوة. فالمهمة تختفي في الربع الذي يبدأ فيه تشغيل النظام، بينما يبقى الوصف الوظيفي وهيكل الفريق والتسلسل الإداري ومعايير الأداء والمسار المهني على حالها، لسنوات في الغالب، لأن تغييرها يتطلب أن يقرر أحد ما الغرض من الدور الآن. والشخص الذي يشغل هذا الدور يشعر بذلك قبل الجميع. فقد تقلّص عمله، والجزء المتبقي هو ما يحيله النظام إليه، أي الحالات الصعبة بطبيعتها، ولم يخبره أحد ما إذا كانت هذه هي الوظيفة الآن أم مرحلة انتقالية. وتكتشف المؤسسات ذلك عادةً من خلال تسرب الموظفين لا من خلال التخطيط. ومن المفيد فهم ما يجعل العمل المتبقي أصعب، لأنه يخالف البديهة. فحين يتولى النظام الحالات الروتينية، يتولى الإنسان الاستثناءات، وهي أقل انتظاماً وأعلى مخاطرة وأكثر إجهاداً ذهنياً مما كانت عليه الحالة المتوسطة. فيصبح الدور أصغر وأصعب في الوقت نفسه. والشخص الذي كان يجري خمسين فحصاً روتينياً وخمسة فحوص صعبة يومياً بات يجري ثمانية فحوص صعبة ولا شيء غيرها، وهذه وظيفة مختلفة تحتاج إلى دعم مختلف، وكثيراً ما تكون أكثر إرهاقاً لا أقل. كما يتآكل حسن التقدير حين يختفي الحجم. فالموظف الخبير يرصد المطالبة المريبة لأنه رأى آلاف المطالبات العادية، وإذا أُزيلت هذه الأخيرة تراجعت قدرته على تمييز الأنماط التي جعلته بارعاً في الاستثناءات. والمؤسسات التي تؤتمت العمل الروتيني وتتوقع جودة ثابتة في معالجة الاستثناءات تستنزف رصيداً توقفت عن تجديده، ويظهر الأثر ببطء. وتتحرك المملكة العربية السعودية في جانب بناء القدرات أسرع من معظم الأسواق. فقد أعلنت مبادرة سماي (SAMAI) تجاوز هدفها بتدريب أكثر من مليون مواطن على مهارات الذكاء الاصطناعي، وأعلنت أكاديمية طويق عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي ببرامج تبدأ في أبريل، فيما تعمل أكاديميات تابعة لشركات تقنية مع غوغل وأمازون وأدوبي على نطاق وطني. وهذا جهد كبير واستثمار في مكانه. لكنه يعالج مشكلة مختلفة عن المشكلة الموصوفة هنا. فالتدريب يرفع قدرات الأفراد، لكنه لا يعيد تصميم دور جرت أتمتة مهمته الأساسية، ولا يخبر المدير ما الغرض من فريقه الآن. فالقدرات الفردية والتصميم المؤسسي مشكلتان منفصلتان، والأولى وحدها يقف وراءها برنامج وطني. ويضفي بُعد السعودة على هذه المسألة ثقلاً محلياً خاصاً. فقد ركزت سياسات التوظيف على زيادة مشاركة السعوديين في أدوار وقطاعات محددة، والأدوار الأكثر تأثراً بالأتمتة الحالية هي غالباً الوظائف الإدارية ووظائف المعالجة في المستويات المبتدئة، وهي المدخل الذي ينضم منه كثيرون إلى المؤسسة ويتعلمون طريقة عملها. وإذا تقلصت هذه الأدوار من دون بديل، تُنزع الدرجة الأولى من السلّم ويبقى السلّم قائماً. وهذه مسألة تصميم تقع على عاتق أصحاب العمل لا نتيجة حتمية للتقنية، ويمكن الإجابة عنها: عبر هياكل للتدريب المهني، والتدوير الوظيفي، وبناء دور معالجة الاستثناءات عن قصد بدلاً من تركه يتشكل بالطرح. وفي المقابل، يُقال إن لهذا الخوف سجلاً طويلاً من الخطأ على المستوى الإجمالي. فالأتمتة ألغت المهام مراراً وأنتجت عملاً أكثر لا أقل، لأن القدرة التي تصبح رخيصة تُستخدم في أمور لم تكن تستحق العناء من قبل. وقد صمد ذلك على مدى قرنين، ولا يوجد سبب قوي لافتراض أنه سيفشل الآن. غير أن سلامة الصورة الإجمالية لا تمنح عزاءً يُذكر لشخص بعينه في دور بعينه خلال مرحلة انتقالية بعينها، والمرحلة الانتقالية هي حيث تقع التزامات أصحاب العمل. والاختبار العملي لأي مؤسسة تطبق الأتمتة سؤال واحد يُطرح في البداية لا في النهاية: ما الأدوار التي ستفقد معظم مهامها لصالح هذا النظام، وما الغرض منها بعد ذلك؟ ومعظم المشاريع تجيب عنه متأخرة ثمانية عشر شهراً، وحينها يكون المعنيون قد أجابوا عنه بأنفسهم.