لماذا تحتاج المنطقة إلى مزيد من «الشركات الناشئة المملة»؟

Category: Technology

By Mo

Published: 2025-09-25T19:12:04.000Z

تجذب منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رؤوس الأموال نحو الذكاء الاصطناعي وبلوكتشين، لكنها تحتاج إلى «شركات ناشئة مملة» في قطاعات الخدمات اللوجستية والمرافق والبنية التحتية. فهذه الشركات تعالج مشكلات يومية جوهرية، وتدعم النمو الاقتصادي المستدام وقدرة المنطقة على الصمود.

تتسم منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالحيوية، إذ تجذب قدراً كبيراً من رأس المال الجريء والدعم الحكومي. وفيما تتجه الطاقة الريادية غالباً نحو القطاعات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي وتقنيات بلوكتشين، إذ تشكّل الشركات الناشئة في مجال العملات المشفرة وحدها 15% من الشركات النشطة في المنطقة حتى أبريل 2025، يبرز سؤال جوهري: هل نغفل الاحتياجات الأساسية الضرورية للنمو الاقتصادي المستدام؟ فالتحديات المستمرة في منظومة المنطقة، مثل تعقيد المتطلبات التنظيمية ونقص المهارات والحاجة الملحّة إلى بنية تحتية متينة، تشير إلى أن الازدهار طويل الأمد قد يعتمد بدرجة أقل على الموجات التقنية العابرة، وبدرجة أكبر على الحلول الراسخة، وغير البراقة غالباً، التي تعالج المشكلات اليومية. وهذه هي «الشركات الناشئة المملة» التي تركز على المرافق والخدمات اللوجستية والبنية التحتية الأساسية. ويبقى قطاع التقنية العالمي عرضة بطبيعته لموجات الحماس المتعاقبة، ولا تشكّل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استثناءً. فالوعد بالنمو المتسارع والأثر الكبير المرتبط بالذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة وغيرها من التقنيات الجديدة يجذب المواهب ورؤوس الأموال بقوة. وفي حين تمتلك هذه القطاعات إمكانات هائلة، فإن الإفراط في التركيز عليها قد يؤدي إلى إهمال المجالات الأساسية التي لا غنى عنها لمجتمع يعمل بكفاءة واقتصاد قادر على الصمود. ونادراً ما تحظى الشركات الناشئة «المملة» باهتمام واسع. فهي شركات تعمل بدأب بعيداً عن الأضواء، وتعالج تحديات غير براقة لكنها جوهرية في الحياة اليومية والتجارة. ويبني هؤلاء المبتكرون البنية التحتية الرقمية والمادية التي تمكّن الشركات الأخرى من الازدهار، بما يضمن التسليم في الوقت المحدد، والحصول على الكهرباء والمياه بشكل موثوق، وإدارة النفايات بكفاءة. وقد لا تثير هذه الأعمال ضجة واسعة، لكنها تشكّل الأساس الجوهري للازدهار الحديث. وتتمتع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تتسم بالتوسع الحضري السريع وتنامي عدد الشباب والحاجة الملحة إلى التنويع الاقتصادي، بموقع فريد لاستقبال موجة جديدة من الشركات الناشئة «المملة». فالفرص في هذه القطاعات الأساسية واسعة، وإمكانات تأثيرها عميقة. وبوصفها مركزاً محورياً للتجارة العالمية، تعاني البنية التحتية اللوجستية في المنطقة في كثير من الأحيان من التجزؤ وضعف الكفاءة، ما يضع عقبات كبيرة أمام الشركات. وثمة حاجة ماسة إلى شركات ناشئة «مملة» قادرة على تبسيط سلاسل الإمداد، وتحسين التوصيل إلى العميل النهائي، وتطوير حلول لوجستية أكثر كفاءة عبر الحدود. وتجسّد الشركة المغربية الناشئة «كوليس» (Colis.ma) هذا التوجه بسد الفجوة اللوجستية بين أفريقيا وأوروبا، إذ توفر خدمة موثوقة لتوصيل الطرود وتربط الشركات بأسواق جديدة. وتقدم الشركة الأردنية «ريبزو» (Repzo) حلاً متكاملاً لإدارة الفرق الميدانية يتيح التتبع الفوري لفرق المبيعات والخدمة، بما يحقق تحسينات كبيرة في الكفاءة والربحية. كما تعالج «سويفل» (Swvl)، الشركة الناشئة التي انطلقت من مصر وتتخذ من دبي مقراً لها، تحديات النقل في المدن من خلال حلول التنقل المشترك، بما يحسّن حياة الركاب ويقلل الازدحام المروري ويخفض انبعاثات الكربون. وتواجه المنطقة، التي تتسم بشح المياه ووفرة الطاقة الشمسية، تحدياً كبيراً وفرصة فريدة في آن واحد. فالتحدي يكمن في تأمين إمدادات موثوقة ومستدامة من المياه والطاقة لسكان يتزايد عددهم بسرعة، أما الفرصة فتتمثل في أن تصبح المنطقة رائداً عالمياً في الطاقة المتجددة وتقنيات المياه. وتقف الشركات الناشئة «المملة» في طليعة هذا التحول. فتبرز «يلو دور إنرجي» (Yellow Door Energy) الإماراتية كمزود رائد لحلول الطاقة الشمسية وكفاءة الطاقة للعملاء التجاريين والصناعيين في أنحاء المنطقة. ومن خلال مساعدة الشركات على التحول إلى الطاقة الشمسية، لا تخفض «يلو دور إنرجي» نفقاتها على الطاقة فحسب، بل تساعدها أيضاً على تحقيق أهداف الاستدامة. وتُعد «كرم سولار» (KarmSolar) المصرية قوة رائدة أخرى في مجال الطاقة المتجددة، إذ ابتكرت حلولاً لضخ المياه وتحليتها بالطاقة الشمسية، وهي حلول جوهرية لإيصال المياه النظيفة إلى المجتمعات النائية. وبالمثل، توفر «إنروير» (Enerwhere) الإماراتية حلول طاقة شمسية هجينة للعملاء الصناعيين غير المتصلين بالشبكة، بما يقلل اعتمادهم على مولدات الديزل المكلفة والضارة بالبيئة. وتشهد المنطقة حالياً موجة غير مسبوقة من التوسع الحضري، مع تسارع بناء مدن جديدة ومشاريع عملاقة. ويمثل ذلك فرصة هائلة للشركات الناشئة «المملة» القادرة على تقديم حلول مبتكرة لبناء البنية التحتية الحضرية وإدارتها وصيانتها. وتبدو صناعة البناء في المنطقة مهيأة لتغيير جذري، إذ تتوافر فرص لتحسين كل جانب فيها، من إدارة المشاريع وسلاسل الإمداد إلى مواد البناء المتقدمة وتقنيات التشييد. وتُحدث الشركات الناشئة المتخصصة في تقنيات البناء (ConTech) تحولاً في طريقة تصميم المنشآت وبنائها وصيانتها، بما يشمل ابتكارات في علوم المواد تقلل الأثر البيئي وتعزز المتانة، ومنصات رقمية لإدارة المشاريع ترفع الكفاءة وتخفض التكاليف. فعلى سبيل المثال، يمكن للشركات التي تطور أساليب البناء المعياري أن تسرّع عمليات التشييد بشكل كبير، فيما يمكن لتلك التي تقدم حلول الصيانة التنبؤية للمرافق العامة أن تتفادى الأعطال المكلفة وتطيل عمر الأصول الحيوية. وتجد تقنيات المدن الذكية، التي تعتمد غالباً على حلول الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ذاتها التي تحظى بحماس كبير، تطبيقاتها الأكثر عملية وتأثيراً في البنية التحتية، من أنظمة ذكية لإدارة المرور تتكيف تلقائياً مع الازدحام، إلى حاويات نفايات ذكية تحسّن مسارات الجمع، وشبكات استشعار تراقب جودة المياه بدقة وتكشف التسربات في شبكات الأنابيب المتقادمة. وهذه ليست تطلعات مستقبلية، بل ضرورات راهنة. وتتمتع الشركات الناشئة بموقع فريد لتقديم حلول مرنة وقابلة للتوسع كثيرا