حين يبدأ المتصفح بالتفكير نيابةً عنك

Category: Technology

By James Whitemore

Published: 2025-10-22T19:50:57.000Z

TechScoop - MENA's Tech Ecosystem Platform

كان متصفح الويب بسيطاً في ما مضى: يفتح الصفحات، ويحمّل الروابط، ويمنح المستخدم حقلاً فارغاً يطرح فيه سؤاله على الإنترنت. ولعقود، حدد ذلك المربع الأبيض الصغير كيف يعثر الناس على الأخبار والمنتجات وعلى بعضهم بعضاً. أما اليوم فقد بدأ يتوارى خلف ما ساعد هو نفسه في إيجاده. فجيل جديد من المتصفحات المبنية أصلاً على الذكاء الاصطناعي، ومنها أطلس من OpenAI و كوميت من Perplexity و آرك (Arc) من شركة ذا براوزر كومباني (The Browser Company)، يعيد تعريف معنى الاتصال بالإنترنت. فهذه المتصفحات لم تعد تعرض الويب للمستخدم، بل تقرأه وتلخصه، وتقرر على نحو متزايد ما يحتاج إلى معرفته. إنه تحول صغير يغير كل شيء. فطوال معظم عمر الإنترنت، كان المستخدم هو من يبحث وينقر ويقارن، وكانت كل صفحة وجهة قائمة بذاتها يتنافس فيها الناشرون على الانتباه ويشتري المعلنون حصصاً منه. أما متصفحات الذكاء الاصطناعي فتقلب هذا المنطق رأساً على عقب: يدمج أطلس ChatGPT مباشرة في نافذة التصفح، فيما يشغّل كوميت نموذجه اللغوي الخاص في شريط جانبي يفسر في الخلفية كل ما يقرأه المستخدم. وحين يُطلب من أي منهما شرح أمر ما، سواء رؤية 2030 أو إنفاق الخليج على الذكاء الاصطناعي أو أحدث نتائج تسلا، يقدم ملخصاً واضحاً بمصادره ونبرته واستنتاجاته. وهكذا يتقلص الويب المترامي الأطراف إلى بضع فقرات مرتبة. يوفر المستخدمون الوقت، ويتراجع الإنترنت المفتوح. ويحمل هذا التحول خسائر مألوفة. فقد وجد تقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادر عن معهد رويترز أن أكثر من 40% من القراء الشباب باتوا يعتمدون على ملخصات الذكاء الاصطناعي لمتابعة الأخبار. وتتراجع مشاهدات الصفحات لدى الناشرين الأصغر مع انخفاض الزيارات القادمة من محركات البحث وانتقال الانتباه إلى واجهات الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة لوسائل الإعلام في الخليج، التي تعتمد بشدة على منظومة بحث Google ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن التغيير قاسٍ بشكل خاص. فالمنصات الناطقة بالعربية التي أُنشئت لخدمة الجمهور الإقليمي مهددة بالاختفاء كلياً من الواجهة الظاهرة للويب، مع حلول أدوات ذكاء اصطناعي مدربة على مصادر إنجليزية محلها في سلسلة المعلومات. والمفارقة أن هذه المتصفحات الجديدة لا توجد أصلاً من دون ذلك المحتوى؛ فهي تجمعه وتتعلم منه وتلخصه، لكنها قد تنتهي إلى محو المنظومة التي أنتجته. ويتآكل النموذج الاقتصادي ببطء. فمتصفحات الذكاء الاصطناعي تعد بالسرعة والبساطة، لكنها تركّز النفوذ أيضاً. فإذا لم يعد المستخدمون يزورون المواقع، فمن يقيس التفاعل ومن يحصل على العائد؟ وحين يلخص وكيل ذكاء اصطناعي تحقيقاً لصحيفة فاينانشال تايمز أو تقريراً محلياً من زاوية، تصبح ملكية ذلك العمل أمراً مبهماً. وفي الغرب، تتفاوض المجموعات الإعلامية بالفعل على اتفاقيات ترخيص أو تلوّح برفع دعاوى قضائية ضد مطوري الذكاء الاصطناعي. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث شركات الإعلام الرقمي أحدث عهداً وأقل حماية قانونية، فلم تبدأ المسألة بالظهور إلا للتو. وبدأ عدد قليل من الناشرين الإقليميين دراسة نماذج لترخيص البيانات المهيكلة، تتيح الوصول المدفوع إلى أرشيفاتهم بصيغة قابلة للقراءة آلياً. ويتطلع آخرون إلى الحكومات لتحديد الحد الفاصل بين الاستخدام العادل واستغلال المحتوى. وتزداد الخصوصية، التي طالما كانت ميزة تسويقية للمتصفحات، غموضاً مع انتقال الذكاء إلى الواجهة نفسها. وتقول OpenAI إن أطلس لن يستخدم بيانات التصفح لتدريب النماذج، فيما تقول Perplexity إنها لا تحتفظ إلا بالحد الأدنى من معلومات المستخدم. لكن حين يتحول المتصفح إلى مساعد ذكاء اصطناعي، تصبح نوايا المستخدم بدورها بيانات: ما يبحث عنه، وما يظلله من نص، وكيف يصوغ سؤاله. ويعمل المنظمون في الرياض وأبوظبي بالفعل على إعادة صياغة الأطر التنظيمية تحت مظلة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي و مكتب البيانات في الإمارات لمواكبة الأنظمة المستقلة التي تعالج المعلومات الشخصية في الوقت الفعلي. غير أن التنظيم، كالعادة، يسير بوتيرة أبطأ من الابتكار. وتضيف اللغة بعداً آخر من اختلال التوازن. فمعظم نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة دُربت أساساً بالإنجليزية، مع تعرض محدود للعربية أو اللهجات الإقليمية. ويخلق ذلك انحيازاً لا في الترجمة فحسب، بل في تحديد المعلومات التي تبدو ذات صلة. فالمتصفح الذي لا يفهم الويب إلا بالإنجليزية لا يمكنه تمثيله بصدق. ومن دون مجموعات بيانات باللغة العربية، تواجه الهوية الرقمية للمنطقة خطر اختزالها في متوسط عالمي، دقيق بما يكفي ليبدو موثوقاً، وضيق بما لا يسمح له بأن يكون كاملاً. وترى الحكومات الخطر والفرصة معاً. فيستثمر بنك البيانات الوطني في المملكة العربية السعودية و مكتب الذكاء الاصطناعي في الإمارات في بنية تحتية سيادية للبيانات تُرسي عليها نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية. وإذا تمكنت المنطقة من تدريب أنظمتها اللغوية الخاصة وبناء متصفحات تخضع لحوكمة محلية، فقد تتجنب الموجة التالية من التبعية الرقمية. وتعمل عدة شركات ناشئة في دبي والرياض بالفعل على أنظمة قائمة على الاسترجاع تربط أدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة بمحتوى عربي مرخص. ويقلب نموذج الأعمال هذا منطق الويب القديم رأساً على عقب: فبدلاً من بيع الانتباه عبر الإعلانات، يبيع الناشرون السياق عبر واجهات برمجة التطبيقات. دارت حروب المتصفحات الأولى حول السرعة والتصميم، أما المعركة المقبلة فتدور حول السيطرة. ومع بدء الذكاء الاصطناعي بالتوسط في كل ما يراه المستخدمون ويقرؤونه، يتحول المتصفح من نافذة إلى مرشّح. ولن يختفي الويب، بل سينتقل خلف الستار، هامساً بإجاباته بصوت لم يعد يبدو بشرياً تماماً.