هدهد يقدّم بديلاً سعودياً محلياً لخرائط غوغل

Category: Technology

By Irfan Asif

Published: 2026-08-03T07:02:13.000Z

أطلقت المملكة العربية السعودية خرائط هدهد، أول تطبيق محلي للخرائط والملاحة. وفي ظاهره يقدم التطبيق إرشادات الطريق خطوة بخطوة وتنبيهات حركة المرور، لكنه في جوهره رهان على السيادة الرقمية، يهدف إلى إبقاء خريطة المملكة وبياناتها تحت السيطرة السعودية.

بين حين وآخر، تقرر دولة ما أن جزءاً من البنية التحتية الرقمية يتعامل معه الجميع على أنه مجاني ومحايد هو في الحقيقة أهم من أن يُترك في أيدٍ أجنبية، فتبني نسختها الخاصة منه. وهذه في جوهرها قصة خرائط هدهد، أول تطبيق سعودي الصنع للخرائط والملاحة، الذي طورته شركة هدهد لتقنية المعلومات. فهو في ظاهره مجرد تطبيق خرائط آخر يقدم إرشادات الطريق خطوة بخطوة وتنبيهات حركة المرور ونقاط الاهتمام، لكنه في جوهره رهان مدروس على السيادة الرقمية، ومحاولة لإبقاء خريطة المملكة العربية السعودية، وكل البيانات التي تتدفق عبرها، تحت السيطرة السعودية بدلاً من مرورها عبر غوغل أو أبل. والمنتج نفسه جدير بالثقة لا رمزي فحسب، وهذا مهم، لأن مشروعات السيادة تفشل حين يكون البديل المحلي أسوأ مما يحل محله. إذ يقدم هدهد ملاحة دقيقة خطوة بخطوة تستند إلى معرفة محلية حقيقية بالشوارع، وإرشاداً ذكياً للمسارات، وتنبيهات لكاميرات السرعة، وبيانات آنية عن حركة المرور وإغلاق الطرق، وصوراً فضائية وصوراً على مستوى الشارع تُلتقط كل بضعة أمتار، وتفاصيل محلية غنية عن المطاعم والمعالم والمتاجر. ويعمل التطبيق باللغتين العربية والإنجليزية، ويدعم كار بلاي وأندرويد أوتو، ويُجمع مستخدموه الأوائل في الرياض على أنه يفهم المدينة أفضل من التطبيقات العالمية، لا سيما في ظل أعمال الطرق المستمرة في المملكة. كما أتاحت الشركة منصة متكاملة للمطورين تقدم الخرائط والبحث والترميز الجغرافي والملاحة عبر واجهات برمجة التطبيقات وحزم تطوير البرمجيات، وهي الطبقة الأهم استراتيجياً، لأنها تتيح للتطبيقات والخدمات الحكومية السعودية الأخرى البناء على بيانات الخرائط الوطنية بدلاً من الدفع لـغوغل مقابل ذلك. وجاء الإطلاق على مراحل مدروسة، واختيار ميدان إثبات الجدارة لافت. فقد أُطلق هدهد أولاً في الرياض، ثم توسع إلى مكة المكرمة بنسخة موجهة تحديداً إلى المعتمرين، تساعد الزوار على التنقل في شبكة الأزقة الكثيفة وحركة المرور في المدينة، واكتشاف مواقع دينية وتاريخية ربما فاتتهم لولاه. وهذا ميدان اختبار ذكي، فمكة المكرمة في موسم العمرة من أصعب بيئات الملاحة في العالم، بملايين الزوار غير المعتادين على المكان، والازدحام الشديد، وأعمال البناء المستمرة، والحاجة الفعلية إلى إرشاد متعدد اللغات إلى المواقع المقدسة، والتطبيق الذي ينجح هناك يكتسب مصداقية حقيقية. وقد وصف متخصصون في شؤون الحج والعمرة هدهد بأنه نموذج لكيفية إسهام التقنية السعودية في إضافة قيمة ملموسة إلى تجربة ضيوف الرحمن، رابطين إياه مباشرة بأهداف رؤية 2030 في تحسين هذه التجربة عبر التقنية المحلية. وعلى الصعيدين الاستراتيجي والإقليمي، يتحول تطبيق الخرائط إلى إعلان عن توجه. فبيانات الخرائط ليست أمراً هامشياً، إذ تكشف كيف تتحرك الدولة، وأين تقع بنيتها التحتية، وكيف تُخطَّط مدنها، وأي الأماكن مهمة، والاعتماد الكامل على مزودين أجانب في ذلك يعني تسليم صورة مفصلة ومحدّثة باستمرار عن الحياة الوطنية لشركات تخضع لولايات قضائية أخرى. وهدهد هو رد المملكة على هذه التبعية، وينسجم مع مسعى أشمل للسيادة الرقمية يشمل مركز بيانات هيكساغون، أحد أكبر مراكز البيانات الحكومية في العالم، وقواعد وطنية لتوطين البيانات وحوكمة المحتوى، والسعي إلى إبقاء القدرات الحاسوبية والبيانات الحيوية داخل المملكة فعلياً. كما يغذي الاقتصاد المحلي مباشرة، عبر بناء خبرات محلية في التقنيات الجغرافية المكانية، وخلق وظائف ماهرة، وإبقاء الإيرادات التي كانت ستتجه إلى وادي السيليكون متداولة داخل البلاد. وتحاكي الخطوة ما فعلته دول أخرى تسعى إلى تأكيد استقلالها، من خرائط ياندكس في روسيا إلى جهود وطنية مختلفة للخرائط، وتأتي إلى جانب طموحات خليجية موازية في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي السياديين. غير أن التحفظات الموضوعية حقيقية. فخرائط غوغل وخرائط أبل ثمرة استثمارات تمتد قرابة عقدين، وعمق هائل في البيانات وتأثيرات شبكية، ومجاراتها على المستوى الوطني، لا في الرياض ومكة المكرمة فحسب، مهمة ضخمة ومكلفة لم يبدأ هدهد فيها إلا للتو. كما أن إبقاء بيانات الخرائط محدّثة في بلد بأكمله التزام دائم ومكلف، والمستخدمون معروفون بعزوفهم عن التحول عن أدوات تعمل بالفعل. لكن بالنسبة إلى بلد بعينه، بمعرفة محلية ودعم رسمي وبيانات تبقى داخله، لا يحتاج هدهد إلى التفوق على غوغل عالمياً، بل يكفيه أن يكون أفضل خريطة للمملكة العربية السعودية تملكها المملكة، وهو يقطع بالفعل شوطاً جيداً نحو هذا الهدف الأضيق والأذكى.