ما الذي يطلبه تباطؤ التمويل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المؤسسين فعلاً؟

Category: Startups

By Jace Ryn

Published: 2026-04-29T13:45:55.000Z

ثمة تحوّل طرأ على منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويستشعره المؤسسون الذين خاضوا فترات الركود السابقة. فقد تباطأ نشاط التمويل بحدة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتوقف تدفق رأس المال في أنحاء المنطقة.

ثمة تحوّل طرأ على منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويستشعره المؤسسون الذين خاضوا فترات الركود السابقة. فقد عاد عدم اليقين إلى قلب مشهد الشركات الناشئة في المنطقة، وهذه المرة لا يبدو دورياً، بل هيكلياً. وبعد بداية قوية لعام 2026، تباطأ نشاط التمويل بحدة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع المستثمرين خطوة إلى الوراء لإعادة تقييم حجم مخاطرهم. ففي الربع الأول وحده، جمعت الشركات الناشئة في أنحاء المنطقة نحو 941 مليون دولار، بانخفاض يتجاوز 20% مقارنة بالربع السابق. وبرز شهر مارس بوصفه أحد أضعف الأشهر منذ سنوات، إذ جمعت 17 شركة ناشئة فقط ما مجموعه 48.3 مليون دولار، بتراجع نسبته 85% على أساس شهري. لم تنهر الصفقات، لكنها توقفت. وبالنسبة إلى المؤسسين، فإن هذا الفارق أهم مما قد يبدو. ليس هذا تصحيحاً مدفوعاً بقطاعات مبالغ في تقييمها أو بإرهاق المستثمرين من فئة أصول بعينها، بل هي مرحلة تتسم بتأجيل القرارات، وإطالة الجداول الزمنية، وتحوّل جوهري في كيفية تدفق رأس المال عبر المنظومة. وقد دخلت المنطقة عام 2026 من موقع قوة حقيقية؛ ففي 2025 جمعت 647 شركة ناشئة ما مجموعه 7.5 مليار دولار، في أقوى عام تمويلي سجلته منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الإطلاق. وما يجري الآن هو إعادة ضبط لا انقلاب في المسار. والمؤسسون الذين يدركون ذلك سيتخذون خيارات أذكى بشأن المواضع التي يوجهون إليها طاقتهم واهتمامهم في الأشهر المقبلة. يتعامل كثير من المؤسسين في المنطقة مع ثالث صدمة كبرى خلال ست سنوات. جاءت جائحة كوفيد أولاً، ثم قفزة أسعار الفائدة التي تزامنت مع الحرب الروسية الأوكرانية، والآن صراع متصاعد تتردد أصداؤه في أسواق النفط ومعنويات المستثمرين والثقة الإقليمية. لم تعد الصدمات استثناءً، بل باتت سمة متكررة لبناء شركة في هذا الجزء من العالم. والمؤسسون الذين خرجوا من عام 2022 أقوى لم يكونوا أولئك الذين انتظروا عودة الأمور إلى طبيعتها، بل الذين تقبّلوا الواقع الجديد سريعاً، وعدّلوا نماذج تشغيلهم من دون تردد، وواصلوا البناء بما توافر لديهم من تمويل. وأول ما يمكن للمؤسس فعله الآن هو مواجهة واقع السيولة لديه بصراحة؛ لا بتفاؤل، بل بصراحة. فإعداد ثلاثة سيناريوهات للإيرادات، متحفظ ومعتدل وأسوأ الحالات، ومقارنة كل منها بخطة التكاليف، يمنح صورة أوضح عن المدة الفعلية التي يمكن للشركة الاستمرار خلالها بتمويلها الحالي مما يمنحه أي توقع منفرد. وبعدما كان توافر تمويل يكفي 18 شهراً يبدو مريحاً في السابق، بات كثير من مديري الشركات يخططون اليوم لما يقارب 30 شهراً. ويدفع هذا التعديل إلى قرارات إنفاق أكثر دقة. فبدلاً من تخفيضات واسعة بدافع الهلع، يتخذ المؤسسون الذين يديرون هذه المرحلة بنجاح قرارات دقيقة بشأن المواضع التي يحقق فيها رأس المال عوائد حقيقية قريبة الأجل، وتلك التي يُنفق فيها على مجرد الآمال. فتُؤجَّل المبادرات غير الأساسية، وتُحمى الوظائف الجوهرية المولّدة للإيرادات، ويعاد التفاوض على التكاليف الثابتة حيثما أمكن. وعلى صعيد الفرق، فإن الاندفاع إلى خفض عدد الموظفين فوراً أمر مفهوم لكنه كثيراً ما يأتي بنتائج عكسية. فعمليات التسريح العشوائية التي تُتخذ بدافع الخوف غالباً ما تُخرج أشخاصاً ستحتاج إليهم الشركة بشدة حين تتبدل الظروف. والخطوة الأذكى هي أن تصبح الشركة أصغر في هيكلها وأوسع في قدراتها. فيجري دمج الأدوار، ويُطلب من الموظفين التوسع في مهام ما كانوا ليقتربوا منها قبل عام، وتُؤجَّل خطط التوظيف للأدوار غير الحرجة. والمنطق وراء ذلك بسيط: حين تتحسن الظروف، ستعتمد سرعة التنفيذ كلياً على الفريق الذي بقي في الشركة. وخسارة أشخاص رئيسيين لتوفير ربع سنة من مدة الاستمرار بالتمويل الحالي قد تكلّف عاماً كاملاً من الزخم. وباتت جودة الإيرادات لا تقل أهمية عن نمو الإيرادات، بل تفوقها في بعض الحالات. فليست كل الإيرادات تصمد بالقدر ذاته تحت الضغط، وفترات الضغط الخارجي هي تحديداً ما يجعل ذلك واضحاً. فالشركات التي تعتمد على الإنفاق الاختياري أو دورات البيع الطويلة للمؤسسات أكثر عرضة للتحولات المفاجئة في سلوك العملاء، بينما تثبت الشركات ذات الإيرادات المتكررة أو المتجذرة في الخدمات الأساسية أنها أكثر صلابة. ولا تزال قطاعات مثل البنية التحتية للتقنية المالية، وبرمجيات الأعمال الموجهة للشركات (B2B)، والخدمات اللوجستية تجذب اهتمام المستثمرين رغم تراجع أحجام التمويل الإجمالية. فهذه شركات لا يضعف عرض قيمتها حين تتراجع ثقة المستهلكين، وعلاقتها بعملائها أعمق من أن تُفكّ بسهولة. والمؤسسون الذين بنوا في هذه المجالات يقفون اليوم على أرضية أكثر ثباتاً، أما من لم يفعلوا فعليهم أن يسألوا عما يلزم لتحريك مزيج إيراداتهم في ذلك الاتجاه. كما باتت الجغرافيا متغيراً استراتيجياً على نحو لم يكن قائماً في سنوات الازدهار. فالظروف الاقتصادية تتباين بشكل كبير عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما بين الخليج والأسواق الواقعة تحت ضغوط أثقل من التضخم والعملة. وتؤدي دول مجلس التعاون الخليجي، المدعومة بسيولة أقوى ومبادرات حكومية، دوراً متزايداً كركيزة استقرار للشركات الناشئة في المنطقة. وبعض الشركات التي كانت تخطط للتوسع في أسواق متعددة في آن واحد تتبنى الآن نهجاً أكثر تدرجاً، فتتمركز أولاً في أسواق الخليج المستقرة قبل التوسع إلى ما هو أبعد. وليس هذا تراجعاً عن الطموح الإقليمي، بل نسخة أذكى من الطموح ذاته، تقدّم وضوح الرؤية في الأجل القريب على الانتشار الواسع والسريع. وتغيّر جمع التمويل نفسه إلى حد أن تكرار الأسلوب الذي كان متبعاً في 2024 سيأتي بنتائج مخيبة. فالصفقات تستغرق وقتاً أطول للإغلاق، وتدقيق المستثمرين اشتد في كل مرحلة، وتوقعات التقييم يعاد ضبطها لتعكس نظرة أكثر تحفظاً للنمو ولجداول التخارج معاً. والمؤسسون الذين يديرون هذا الوضع جيداً يبدؤون محادثات التمويل أبكر مما يظنون أنهم بحاجة إليه، ويستثمرون وقتاً أطول في بناء علاقات حقيقية بدلاً من عرض مشاريعهم