درع «يوتيوب» ضد التزييف العميق يأتي متأخراً لصحفيي الشرق الأوسط المحاصرين رقمياً

Category: Social

By Mo

Published: 2026-03-11T14:27:00.000Z

طرح «يوتيوب» نظاماً للحماية من التزييف العميق، لكن كثيراً من صحفيي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقولون إن الخطوة جاءت متأخرة فيما يواصلون مواجهة تصاعد المضايقات الرقمية والمعلومات المضللة.

تلقت أميرة خالد العام الماضي اتصالاً من صديقة في القاهرة شاهدت مقطع فيديو لها وهي تلقي خطاباً. لكن أميرة لم تلقِ ذلك الخطاب قط، بل لم ترتدِ ذلك الزي أصلاً. كان المقطع تزييفاً عميقاً، ومقنعاً إلى حد بعيد. وانتشر في مجموعات «واتساب» لساعات قبل أن تعلم بوجوده أصلاً. وحين تمكنت من إزالته، كان قد وصل إلى آلاف الأشخاص في مصر، وكان الضرر قد لحق بمصداقيتها بالفعل. وباتت قصص مثل قصة أميرة أمراً معتاداً في غرف الأخبار بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والآن يقول «يوتيوب» (YouTube) إن لديه حلاً. فقد أعلنت الشركة يوم الثلاثاء أنها توسّع تقنيتها لرصد انتحال الشبه لتشمل السياسيين والمسؤولين الحكوميين والصحفيين في برنامج تجريبي. ويمكن لأفراد هذه الفئة الآن طلب إزالة مقاطع التزييف العميق المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تنتحل شخصياتهم. وهي خطوة مهمة، لكنها جاءت متأخرة ثلاث سنوات بالنسبة إلى الصحفيين والقيادات المدنية الذين يعيشون أصلاً نوعاً من الحرب الرقمية لم يضطر معظم الناس في الغرب إلى خوضها. وكانت التقنية نفسها متاحة لبرنامج صناع المحتوى في «يوتيوب» منذ العام الماضي، لكنها كانت تعمل بهدوء في الخلفية. والآن يتيحها «يوتيوب» لأشخاص يمكن لمقاطع التزييف العميق التي تستهدفهم أن تقلب نتائج انتخابات أو تشعل نزاعات أو تدمر مسيرات مهنية. ولاستخدام الأداة، يتعين على المشاركين رفع صورة شخصية وهوية حكومية، ويمكنهم بعدها الإبلاغ عن المحتوى الذي ينتحل شخصياتهم وطلب إزالته إذا كان ينتهك سياسات «يوتيوب». ولن تُقبل جميع الطلبات؛ إذ يقول «يوتيوب» إنه سيقيّم ما إذا كان المحتوى محاكاة ساخرة أو نقداً سياسياً مشروعاً، وهما شكلان من أشكال التعبير المحمي. وهنا تتضح حدود المبادرة. ففي دول المنطقة مثل مصر والمملكة العربية السعودية وباكستان والإمارات العربية المتحدة، كثيراً ما تطمس الحكومة الخط الفاصل بين النقد السياسي المشروع والتحريض. فما يراه شخص محاكاة ساخرة يراه آخر معلومات مضللة خطيرة. وستجد خوارزمية «يوتيوب» صعوبة في التمييز بينهما. فحين يبلّغ صحفي في الرياض عن تزييف عميق، هل سيزيله «يوتيوب»؟ وحين يبلّغ صحفي فلسطيني في القدس الشرقية عن تزييف عميق، هل سيُعامل بلاغه بالطريقة نفسها التي يُعامل بها بلاغ صحفي غربي؟ هذه الأسئلة بالغة الأهمية لمن يعيشون في مناطق يخضع فيها الخطاب الرقمي أصلاً لمراقبة وسيطرة مشددتين. وتكمن المشكلة أيضاً في أن حل «يوتيوب» يعالج العرض لا المرض. فمقاطع التزييف العميق تظهر في المنطقة بوتيرة متسارعة، ويستهدف معظمها الصحفيين والناشطين وشخصيات المعارضة. وبحسب باحثين يدرسون التضليل الإعلامي في المنطقة، زادت هجمات التزييف العميق بنحو 60% خلال العام الماضي وحده. وقالت صحفية باكستانية لـTechScoop إن ثلاثة مقاطع تزييف عميق على الأقل أُنشئت بصورتها خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. واستُخدم تزييف عميق لمذيع تلفزيوني مصري لنشر ادعاءات كاذبة عن صحته. وليست هذه حوادث معزولة، بل جزء من جهد منسق لتقويض الثقة في الإعلام وزعزعة النقاش العام في دول يواجه فيها الصحفيون ضغوطاً شديدة أصلاً. والمسألة الحقيقية أن الجهات الخبيثة أدركت أمراً لم يبدأ «يوتيوب» في معالجته إلا الآن: التزييف العميق يحقق أقصى تأثيره حين يستهدف أشخاصاً مهمشين أو مثيرين للجدل أصلاً. فتزييف عميق لسياسي غربي يتصدر العناوين، بينما يمر تزييف عميق لصحفي في القاهرة بصمت لأن الشخص المستهدف لا يملك المنصة أو الموارد نفسها للرد. وتشترط أداة «يوتيوب» التحقق عبر هوية حكومية، وهو ما يفترض أن الناس يثقون بنظام الهوية ذاك. وفي بعض دول المنطقة، ليس ذلك افتراضاً آمناً للصحفيين المعرضين للخطر. وقدمت ليزلي ميلر (Leslie Miller)، نائبة رئيس الشؤون الحكومية في «يوتيوب»، التوسع باعتباره مسألة تتعلق بـ«نزاهة النقاش العام». وهذا صحيح، لكن النقاش الذي يحميه «يوتيوب» هو في المقام الأول ذلك الدائر في الديمقراطيات المتقدمة. أما النقاش الدائر في غرف الأخبار بالمنطقة، حيث يواجه الصحفيون التزييف العميق والمراقبة والضغوط الحكومية في آن واحد، فيخضع لقواعد مختلفة تماماً. وأعلن «يوتيوب» أيضاً دعمه لقانون «NO FAKES» المطروح في الكونغرس الأمريكي، الذي سينظم إعادة إنتاج الأصوات والصور الشخصية بالذكاء الاصطناعي دون إذن. وهذه سياسة جيدة، لكنها تسري على الولايات المتحدة وحدها. فلا يمكن لصحفية في بيروت أو كراتشي الاعتماد على تشريع أمريكي لحمايتها من تزييف عميق أنشأه شخص في دولة أخرى ووُزع عالمياً. ويجب بناء بنية الرصد والإزالة على نطاق عالمي، فيما لا يتجاوز نهج «يوتيوب» الحالي النطاق الإقليمي في أفضل الأحوال. وما يساعد فعلاً هو رصد أكثر صرامة قبل نشر المحتوى، وتمكين الصحفيين في المناطق المعرضة للخطر من التحقق من هويتهم بوسائل بديلة، وتوفير حماية صريحة للأشخاص في الدول التي تخضع فيها حرية التعبير لقيود أصلاً. ويقول «يوتيوب» إنه يعتزم في نهاية المطاف منع نشر المحتوى المخالف من الأساس، وهذه هي الميزة التي تهم فعلاً. وحتى ذلك الحين، تبقى الأداة في معظمها رد فعل لاحق: محاولة لتدارك الأمر بعد أن تكون مقاطع التزييف العميق قد انتشرت وأحدثت أثرها. وبالنسبة إلى صحفيين مثل أميرة، فإن إعلان «يوتيوب» هذه الأداة الآن يحمل مشاعر متناقضة. كانت ستفيدها العام الماضي، وقد تساعد في حمايتها العام المقبل. لكن مقاطع التزييف العميق التي ألحقت الضرر بسمعتها ومسيرتها المهنية لا يمكن محوها بميزة تأتي متأخرة سنوات. والتحدي الحقيقي أمام «يوتيوب»، وأمام قطاع التقنية الأوسع، هو إدراك أن التهديدات التي تواجه الصحفيين والقيادات المدنية ليست موزعة بالتساوي، بل تتركز في مناطق يرزح فيها الإعلام تحت الحصار أصلاً. والحلول التي تصلح للجميع تتطلب فهم هذه الحقيقة أولاً.