التقنية التي لا تتحدث العربية لن تتوسع
Category: News
By Noura Khalid
Published: 2025-10-22T17:32:32.000Z
المستخدمون العرب هم الجمهور الأسرع نمواً على الإنترنت، لكن شركات التقنية العالمية لا تزال تصمم منتجاتها بالإنجليزية. وتبني شركات ناشئة مثل لوسيديا ونانوفيت والطبي شبكة إنترنت عربية من الأساس.
العربية من أقدم لغات العالم، وهي في الوقت نفسه من أحدثها على الإنترنت. ويضم العالم العربي اليوم أكثر من 348 مليون مستخدم للإنترنت، أي نحو 70% من إجمالي سكانه، وفقاً لـ أورينت بلانيت للأبحاث (Orient Planet Research) . وفي المملكة العربية السعودية، يسهم الاقتصاد الرقمي بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة تبلغ 132 مليار دولار، بحسب عرب نيوز . ومع ذلك، لا تزال معظم البرمجيات التي تحرك هذا الاقتصاد مصممة بعقلية إنجليزية. وتحتل العربية المرتبة الخامسة بين أكثر لغات العالم استخداماً، إذ يتحدثها نحو 450 مليون شخص كلغة أم و30 مليوناً آخرين كلغة ثانية، وفقاً لـ إثنولوغ (Ethnologue) . وعلى الإنترنت، يمثل متحدثوها نحو 5% من مستخدمي الويب في العالم. لكن العربية بالنسبة لوادي السيليكون تبقى في الغالب مجرد مهمة ترجمة تُضاف بعد الإطلاق. فلا تزال أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي، من ChatGPT إلى Gemini، تتعامل مع الكتابة العربية كعقبة، فيما تتعثر المساعدات الصوتية أمام اللهجات، وتختل تصاميم المواقع حين يتحول اتجاه النص من اليمين إلى اليسار. والمشكلة ليست خللاً في الشيفرة البرمجية، بل انحيازاً في التصميم الأساسي. ويظهر هذا الانحياز في التفاصيل. فحروف العربية تتغير أشكالها بحسب موقعها في الكلمة، وقواعد الترقيم فيها مختلفة، واللهجات المحلية تتبدل أسرع مما تستطيع النماذج مجاراته. ووجدت دراسة منشورة على arXiv في 2024 أن حتى المواقع العربية الكبرى تسيء استخدام إعدادات الخطوط الأساسية، ما يؤدي إلى تراجع في سهولة القراءة يصل إلى 40%. وحين لا تبدو الواجهة أصيلة، يتأقلم المستخدمون معها، لكن ذلك يأتي على حساب الثقة. وزاد الذكاء الاصطناعي الفجوة وضوحاً. فقد دُربت النماذج اللغوية الكبيرة في معظمها على بيانات باللغة الإنجليزية، وحين يُطلب منها تلخيص نص عربي، كثيراً ما تقدم إجابات صحيحة نحوياً لكنها باهتة في نبرتها؛ فهي تفهم التراكيب لكنها لا تلتقط المعاني الضمنية. وعندما يكون نصف سكان العالم العربي دون 35 عاماً، كما يشير موقع إنتليجنت سي آي أو (Intelligent CIO) ، تصبح النبرة مسألة جوهرية. فهؤلاء المستخدمون نشأوا في العالم الرقمي، ويعبّرون عن ثقافتهم بوضوح، ويتوقعون من التقنية أن تفهمهم لا أن تترجم لهم فحسب. وتوقف بعض المؤسسين في المنطقة عن انتظار المنصات العالمية. ففي الرياض، بنت لوسيديا محركاً للذكاء الاصطناعي يرصد المشاعر باللغة العربية عبر خمس عشرة لهجة، لتمنح العلامات التجارية أداة تنصت فعلاً إلى عملائها. وفي عمّان، أنشأت الطبي منصة للرعاية الصحية عن بُعد باللغة العربية تخدم اليوم أكثر من 25 مليون مستخدم شهرياً. وحوّلت طماطم للألعاب (Tamatem Games) ، وهي من الأردن أيضاً، ألعاب الهواتف المحمولة إلى نشاط تجاري إقليمي عبر نشر ألعاب معرّبة لـ100 مليون لاعب. وجمعت نانوفيت (Nanovate) القاهرية مليوني دولار لبناء منظومة ذكاء اصطناعي عربية متكاملة تغطي اثنتين وعشرين لهجة. وأطلقت أبجد خدمة اشتراك في الكتب الإلكترونية العربية تضم 1.5 مليون قارئ. وفي دبي، يوصل نبض الأخبار العربية إلى 30 مليون جهاز شهرياً. وتتشارك هذه الشركات مبدأً واحداً: اعتماد العربية أولاً ليس ميزة إضافية للتوطين، بل أساس في البنية نفسها. فمنتجاتها تُبنى من اليمين إلى اليسار لا العكس، وتُدرَّب على اللهجات بدلاً من إجبار المستخدمين على الفصحى، وتجعل من النبرة خياراً تصميمياً. ويظهر المردود في الأرقام؛ إذ تفيد ريدسير للاستشارات (RedSeer Consulting) بأن تسعة من كل عشرة مستخدمين سعوديين يفضلون التطبيقات المتاحة بالعربية، حتى عند توفر نسخ إنجليزية منها. وباتت الحكومات تتعامل مع المسألة بوصفها استراتيجية. فيعمل بنك البيانات الوطني في المملكة العربية السعودية و مكتب الذكاء الاصطناعي في الإمارات على تطوير مجموعات بيانات سيادية لتدريب نماذج محلية. وتبني الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) نموذج فنار ، وهو نموذج لغوي كبير مُدرَّب ليلائم دلالات اللغة العربية وثقافتها. وهذه البرامج ليست رمزية، فمن يملك تدريب البيانات يتحكم في الواجهة المقبلة للمعلومات. وبدأ الاستثمار يلحق بالطموح. فتتوقع موردور إنتليجنس (Mordor Intelligence) أن ينمو سوق التحول الرقمي في الشرق الأوسط من 58 مليار دولار في 2025 إلى 179 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 25%. ولا يزال جزء كبير من هذه الأموال يذهب إلى البنية التحتية متعددة اللغات، لكن حصة متنامية منها تتجه إلى المشاريع التي تعتمد العربية أولاً. وتتحول الحجة بذلك من الاعتزاز الثقافي إلى المنطق التجاري. وبالنسبة للمؤسسين، الفرصة واضحة: البناء انطلاقاً من العربية، وهيكلة مجموعات البيانات حول اللهجات، وتصميم الواجهات وأنظمة الدفع وفق العادات المحلية. وكما بنى وي تشات (WeChat) اقتصاداً على افتراضات تصميم صينية، وكما فعل بايتم (Paytm) بالهندية، فإن الإنترنت العربي جاهز لمنظومته الخاصة. ولا تزال شركات التقنية العالمية غافلة عن ذلك، لكن المليار مستخدم التالين يرونه بالفعل. فهم لا ينتظرون تحديثات الترجمة، بل يبنون نسخة الويب التي تخاطبهم أخيراً بلغتهم.