توطين التقنية في السعودية ينتقل من المكاتب إلى المصانع ثم إلى البرمجيات
Category: Hardware, Robotics & IoT
By Irfan Asif
Published: 2026-09-11T12:00:00.000Z
بدأ التوطين بالمقرات الإقليمية، ثم انتقل إلى خطوط التجميع، وها هو يبلغ طبقة البرمجيات. وكل مرحلة تحقق قيمة أكبر من سابقتها، لكن التحقق منها من الخارج أصعب.
مرّ توطين التقنية في السعودية بثلاث مراحل، وتوزعت إعلانات مؤتمر ليب (LEAP) 2026 عليها جميعاً. المرحلة الأولى كانت الحضور. فقد استقطبت برامج المقرات الإقليمية شركات التقنية العالمية لتأسيس كيانات مرخصة في المملكة، ما أوجد وظائف محلية وحضوراً ضريبياً محلياً ومساءلة محلية، لكنه لم يبنِ قدرات. فالمكتب الإقليمي يبيع منتجات صُممت وصُنعت في مكان آخر ويقدم الدعم لها. والمرحلة الثانية هي التصنيع، وهي الأوضح حالياً. فقد كشفت لينوفو (Lenovo) خلال مؤتمر ليب 2026 عن أول حاسوب محمول مصنوع في السعودية، أُنتج في الرياض في منشأة طُوّرت بالشراكة مع آلات على مساحة تقارب 200,000 متر مربع في الرياض المتكاملة قرب مطار الملك خالد الدولي، وصُممت لإنتاج الحواسيب المحمولة والمكتبية والخوادم والهواتف الذكية من موتورولا، ووُصفت بأنها أكبر مصانع الشركة خارج الصين. ومن المقرر أن يبدأ الإنتاج الضخم لمجموعة محدودة من المنتجات في أواخر 2026، فيما أكملت أول دفعة من المهندسين السعوديين تدريباً متخصصاً في منشآت لينوفو العالمية. أما المرحلة الثالثة فقد وصلت بهدوء وهي الأهم. إذ توسّع هيوليت باكارد إنتربرايز (HPE) مبادرة صُنع وطُوّر ونُشر في السعودية من العتاد إلى البرمجيات، وسمّت شاهين إيه آي (ShaheenAI) ومزن (MOZN) وأومني أوبس (OmniOps) شركاء مؤسسين في البرمجيات يسهمون بمنصات مطورة محلياً. ووقّعت مذكرة تفاهم مع أومني أوبس خلال مؤتمر ليب بشأن منظومة سيادية للذكاء الاصطناعي تجمع بنيتها التحتية المصنوعة في السعودية مع منصات أومني أوبس، وترتكز على بنيان، منصة الاستدلال التابعة للشركة القادرة على العمل في الحوسبة السحابية وفي مقار العملاء وفي بيئات معزولة تماماً عن الشبكات. وتختلف القيمة المتحققة في هذه المراحل الثلاث اختلافاً كبيراً، ومن المفيد توضيح السبب. فالمكتب يحقق هامش مبيعات. ومصنع التجميع يحقق قيمة العمالة الصناعية وبعض الخدمات اللوجستية، بينما يبقى التصميم والمكونات والملكية الفكرية ومعظم الهامش في مكان آخر. أما البرمجيات فتحقق الملكية الفكرية نفسها، لأن المنتج والملكية الفكرية في البرمجيات شيء واحد. ومنصة الاستدلال المبنية محلياً، التي تُباع لعملاء محليين ويطورها ويصونها مهندسون محليون، تُبقي معظم القيمة داخل البلاد. ولهذا فمرحلة البرمجيات أبعد أثراً من المصنع، رغم أنها لا تحظى إلا بجزء ضئيل من الاهتمام. فالمصنع يصلح للتصوير، أما الشيفرة البرمجية فلا. وتنقلب مشكلة التحقق عبر التسلسل نفسه، وهذه هي النقطة الأصعب. فالمقر الإقليمي سهل التحقق منه: الكيان إما موجود أو غير موجود. والتصنيع قابل للتحقق من حيث المبدأ عبر نسب المحتوى المحلي، وإن لم تنشر لينوفو ولا آلات أي نسبة، والوصف الدقيق للحاسوب المحمول السعودي بناءً على المعلومات الحالية هو تجميع لمنتج صُمم في مكان آخر، مع بقاء عمق التوطين بحاجة إلى إثبات. أما توطين البرمجيات فليس له مقياس مماثل على الإطلاق. فلا توجد طريقة متعارف عليها لتحديد نسبة ما بُني من منصة ما داخل بلد بعينه. هل صُممت المعمارية محلياً أم جرى تكييفها؟ وهل المهندسون موظفون هنا أم متعاقد معهم من الخارج؟ وهل يعتمد المنتج على مكونات أو نماذج أو خدمات أجنبية سيتعطل إذا سُحب الوصول إليها؟ ويمكن لشركة أن تصف منصة بأنها مطورة محلياً بينما جرى معظم العمل الهندسي في مكان آخر، ولا يستطيع أحد من الخارج التحقق من ذلك حالياً. وتكتسب قدرة أومني أوبس على العمل بمعزل عن الشبكات أهميتها تحديداً لأنها الادعاء الوحيد في هذا المجال القابل للاختبار. فالنظام الذي يعمل من دون أي اتصال بشبكة خارجية إما يعمل أو لا يعمل. وهذه خاصية يمكن إثباتها، لا ادعاء بشأن مكان كتابة الشيفرة، وهي من نوع الادعاءات التي تستطيع جهات الشراء تقييمها فعلاً. ويبقى الاعتماد الكامن وراء المراحل الثلاث على حاله، ومن المفيد تسميته من دون تهويل. فكل مسرّع في كل مشروع سعودي للذكاء الاصطناعي مصمم ومصنّع في الخارج، وخاضع لأنظمة رقابة على الصادرات خارج نطاق التأثير السعودي. ولن يغيّر أي قدر من التجميع أو تطوير البرمجيات ذلك على المدى القريب، ولم تحل هذه المشكلة سوى قلة من الدول. والهدف الواقعي ليس الاستقلال، بل القدرة مع تعدد الخيارات: مهارات محلية كافية للتشغيل والتكييف والصيانة، وتنوع كافٍ في الإمدادات بحيث لا يكون أي قرار منفرد في مكان آخر حاسماً. وتشغيل هيوماين (HUMAIN) بنيتين من معالجات إنفيديا وإيه إم دي بالتوازي تطبيق لهذا المنطق في المشتريات. والمقاييس التي تجعل المرحلة الثالثة قابلة للقراءة ليست غريبة. فلأي منصة توصف بأنها مطورة سعودياً: كم مهندساً يعمل عليها وأين يعملون، وما نسبة الشيفرة المكتوبة في المملكة، وما المكونات أو الخدمات الأجنبية التي تعتمد عليها، وهل يمكنها العمل إذا أصبحت هذه غير متاحة؟ أربعة أسئلة، تستطيع الشركة الإجابة عنها جميعاً، ولا يُطرح أي منها حالياً في الإعلانات. وللمصنع موعد في أواخر 2026 يمكن التحقق منه، أما مرحلة البرمجيات فليس لها موعد ولا مقياس، ما يجعلها المرحلة الأعلى قيمة والأسهل ادعاءً في آن واحد.