البنك المركزي السعودي يرخّص ملاءة مع تبلور المصرفية المفتوحة في المملكة

Category: Fintech

By Irfan Asif

Published: 2026-07-28T15:18:53.000Z

رخّص البنك المركزي السعودي (ساما) لشركة ملاءة لتقنية المعلومات تقديم خدمات معلومات حسابات الدفع، ليرتفع عدد مقدمي خدمات المدفوعات المرخصين في المملكة إلى 33. والترخيص في حد ذاته إجراء روتيني، لكنه ضمن سلسلة متواصلة يكشف عن نظام مالي يُعاد تشكيله عن قصد حول المصرفية المفتوحة.

هذا من نوع الإعلانات التنظيمية التي تبدو ثانوية إذا نُظر إليها منفردة، ولا يتضح معناها إلا ضمن سلسلة. فقد رخّص البنك المركزي السعودي (ساما) لشركة ملاءة لتقنية المعلومات (Mala'a Information Technology) تقديم خدمات معلومات حسابات الدفع، وهي إحدى الخدمات الأساسية التي يتيحها إطار المصرفية المفتوحة في المملكة. ويرفع هذا الترخيص وحده عدد مقدمي خدمات المدفوعات المرخصين في المملكة العربية السعودية إلى 33. والترخيص في حد ذاته بند روتيني، لكن قراءته في ضوء ما يفعله البنك المركزي خلال الأشهر الماضية تجعله مؤشراً صغيراً على نظام مالي يُعاد تشكيله عن قصد. ويستحق مضمون ما بات بإمكان ملاءة فعله شرحاً مبسطاً، لأن المصرفية المفتوحة من المصطلحات التي تُستخدم أكثر مما تُفهم. فالترخيص يشمل خدمات معلومات حسابات الدفع، أي أن ملاءة تستطيع تمكين العملاء من مشاركة بياناتهم المصرفية بأمان مع مقدمي خدمات خارجيين مرخصين، ولكن فقط بعد الحصول على موافقة صريحة من العميل. وشرط الموافقة هذا هو جوهر الأمر، فبدلاً من أن تبقى البيانات المالية للعميل حبيسة البنك الذي يحتفظ بحسابه، تتيح له المصرفية المفتوحة منح طرف ثالث خاضع للتنظيم حق الوصول إليها عبر واجهات برمجة تطبيقات آمنة، لتشغيل خدمات قد لا يقدمها البنك نفسه. وتعمل ملاءة بالفعل في مجال التمويل الشخصي، إذ تقدم أدوات للادخار وتتبع المصروفات، ولذلك يمثل ترخيص معلومات الحسابات الأساس التنظيمي الطبيعي لتجميع حسابات المستخدم في واجهة واحدة وبناء منتجات على تلك البيانات. والإطار الذي تعمل ملاءة ضمنه الآن ليس متساهلاً، إذ يشترط الالتزام بمعايير صارمة في أداء واجهات برمجة التطبيقات وأمن البيانات وإدارة الموافقات والحوكمة، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية. والتوقيت هو ما يمنح الترخيص معناه، فالبنك المركزي السعودي لم ينقل المصرفية المفتوحة من البيئة التجريبية التشريعية إلى نظام ترخيص رسمي إلا في أواخر مارس 2026. وقد أشار هذا الانتقال، من بيئة اختبار منضبطة جرّبت فيها شركات مختارة حالات الاستخدام تحت الإشراف إلى نشاط خاضع للإشراف الكامل ويتطلب ترخيصاً نظامياً، إلى أن البنك المركزي رأى أن الإطار بلغ من النضج ما يكفي لتبنيه على نطاق أوسع في السوق. وكانت لين تكنولوجيز (Lean Technologies) أول شركة تحصل على ترخيص كامل للمصرفية المفتوحة بموجب النظام الجديد، والوتيرة المنتظمة للموافقات منذ ذلك الحين، من تطبيق دراهم إلى ملاءة الآن وغيرهما، تعكس عمل البنك المركزي بشكل منهجي على ملء المنظومة التي أمضى سنوات في تصميمها داخل البيئة التجريبية. وكل ترخيص يعني انتقال شركة من مرحلة التجربة إلى صفة المشارك المنظَّم في السوق. وفي السياق الإقليمي والاستراتيجي يكشف الترخيص الروتيني عن ثقله الحقيقي. فالمصرفية المفتوحة مكوّن أساسي في استراتيجية التقنية المالية في المملكة العربية السعودية، وهي بدورها من أبرز مخرجات رؤية 2030، والطموح المرتبط بها معلن صراحة، وهو جعل المملكة مركزاً عالمياً للتقنية المالية. وتسبق الأرقام الداعمة لهذا الطموح أهدافها بالفعل، إذ نمت منظومة التقنية المالية في المملكة إلى 261 شركة بنهاية 2025، متجاوزة الهدف الأصلي لرؤية 2030 البالغ 230 شركة بنسبة 13%، بنمو سنوي بلغ 21%، فيما بلغ إجمالي الاستثمارات التراكمية في التقنية المالية نحو 7.9 مليار ريال، أي نحو 2.1 مليار دولار، أي أكثر من ضعف المستهدف الأولي. والمصرفية المفتوحة هي طبقة البنية التحتية التي تجعل كثيراً من ذلك ممكناً، لأن إتاحة وصول شركات التقنية المالية إلى البيانات المصرفية بموافقة العملاء هي ما يمكّنها من بناء منتجات للإقراض والميزانية والمدفوعات وإدارة الثروات قادرة على المنافسة فعلاً. وإقليمياً، يضع ذلك المملكة في منافسة مباشرة مع المراكز الخليجية الأخرى التي تتسابق على المجال نفسه، إذ تحركت البحرين مبكراً في المصرفية المفتوحة، وتبني الإمارات إطارها الخاص، وتسعى جميعها إلى استقطاب الكفاءات والاستثمارات في التقنية المالية التي يجذبها نظام ناضج لمشاركة البيانات. وتتمثل ميزة المملكة العربية السعودية في الحجم الكبير لسوقها المحلية وفي تنسيق بنك مركزي رتّب هذه الخطوات بعناية بدلاً من التسرع فيها. والتحفظ الصريح هنا أن ترخيص الشركات هو الجزء السهل والظاهر، أما الاختبار الأصعب فهو التبني: هل سيمنح المستهلكون السعوديون موافقتهم فعلاً ويستخدمون هذه الخدمات على نطاق واسع، وهل ستتعاون البنوك بالكامل مع شركات التقنية المالية التي باتت مخولة بالوصول إلى بياناتها بدلاً من التعامل معها منافساً. فقوة أي إطار تقاس بحجم الاستخدام الفعلي الذي يمر عبره. لكن الاتجاه لا لبس فيه، فكل ترخيص مثل ترخيص ملاءة حلقة جديدة تُفعَّل في نظام يبنيه البنك المركزي السعودي نحو قطاع مالي مفتوح وتنافسي وقائم على البيانات فعلاً، وتشير وتيرة الموافقات إلى أن المملكة تعتزم بلوغ ذلك أسرع من جيرانها.