جهاز الاستثمار العماني يوسّع حضوره في قطاع التقنية عالمياً
Category: Enterprise & SaaS
By Irfan Asif
Published: 2026-07-29T12:01:11.000Z
استثمر جهاز الاستثمار العماني في كامبريدج إنوفيشن كابيتال وأكسفورد ساينس إنتربرايزز، مراهناً على تقنيات عميقة عالمية المستوى في الحوسبة الكمية وعلوم الحياة، مع التطلع إلى نقل هذه المعرفة إلى السلطنة.
لزاوية قراءة هذا الخبر أهميتها، إذ يسهل فهمه على أنه مجرد شراء عُمان حصصاً في شركات تقنية ناشئة رائجة، وهو ما يقلل من حقيقة ما يجري. فقد استثمر جهاز الاستثمار العماني، صندوق الثروة السيادي للسلطنة، في كامبريدج إنوفيشن كابيتال (Cambridge Innovation Capital) وأكسفورد ساينس إنتربرايزز (Oxford Science Enterprises)، وهما شركتا رأس مال جريء أُسستا خصيصاً لتحويل الأبحاث الصادرة عن جامعتي كامبريدج وأكسفورد إلى مشاريع تجارية. وهذا خيار هيكلي مدروس؛ فبدلاً من انتقاء شركات بعينها، دخلت عُمان إلى الآلية التي تحوّل الاكتشافات الأكاديمية البريطانية إلى شركات، لتحصل دفعة واحدة على انكشاف على محفظة كاملة من شركات التقنية العميقة في الرعاية الصحية وعلوم الحياة وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية. ولم يُكشف عن قيمة الاستثمارات، وهو ما تجدر الإشارة إليه منذ البداية، غير أن النية الاستراتيجية وراءها معلنة بوضوح، وهي الجانب الأكثر إثارة للاهتمام. وتبدو المحافظ التي دخلها الجهاز أشبه بجولة في علوم الحدود القصوى، وهذا هو المقصود تحديداً. فمن خلال كامبريدج إنوفيشن كابيتال، تصل عُمان إلى شركات انبثقت من منظومة جامعة كامبريدج، منها CMR Surgical التي تطوّر أنظمة روبوتية للجراحة طفيفة التوغل، وPragmatic Semiconductor المصنّعة لرقائق إلكترونية مرنة منخفضة التكلفة لتطبيقات إنترنت الأشياء، وRiverlane التي تطوّر تقنيات وبرمجيات تصحيح الأخطاء للحواسيب الكمية. ومن خلال أكسفورد ساينس إنتربرايزز، تحصل على انكشاف على شركات قائمة على أبحاث جامعة أكسفورد، منها Quantum Motion التي تطوّر معالجات حوسبة كمية قابلة للتوسع، وأكسفورد كوانتم سيركتس (Oxford Quantum Circuits) العاملة في الحوسبة الكمية، وOsler Diagnostics التي تصنع أجهزة تشخيص سريعة ومحمولة، إلى جانب شركات تعمل في التحليل الجزيئي الحيوي والعلاج الجيني. وليست هذه تطبيقات استهلاكية أو شركات ناشئة تُشترى لتُباع سريعاً، بل شركات كثيفة رأس المال والبحث العلمي تعمل على تقنيات قد تستغرق عقداً حتى تنضج، لكنها قد تعيد تشكيل قطاعات بأكملها إن نجحت، وهذا بالضبط نوع الرهانات طويلة الأجل التي تُبنى صناديق الثروة السيادية من أجلها. ويقدّم الجهاز لهذه الاستثمارات منطقاً ذا شقين مختلفين، ويحرص على تسمية كليهما. فقد وصف إبراهيم بن سعيد العيسري، رئيس استثمارات الأسواق الخاصة في الجهاز، الشق الأول بأنه مالي بحت، معتبراً التقنيات المتقدمة محركات رئيسية للتنمية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، ومقدّماً الاستثمارات وسيلةً لتحقيق عوائد مستدامة طويلة الأجل من قطاعات سريعة النمو. وهذا هو منطق الصندوق السيادي بوصفه مستثمراً، وهو منطق تقليدي تماماً. أما الشق الثاني فهو الأكثر تميزاً، إذ ربط العيسري الاستثمارات صراحةً باستكشاف فرص نقل المعرفة والتقنية إلى عُمان وتعزيز تبادل الخبرات. وهذا ما يميّز الاستثمار السيادي الاستراتيجي عن الاستثمار المالي البحت. والفكرة أن امتلاك مراكز في الشركات الرائدة في الحوسبة الكمية وعلوم الحياة يفتح لعُمان قنوات قد تتدفق عبرها تلك المعرفة، وربما تلك الشركات نفسها، يوماً ما إلى السلطنة، بما يساعد في بناء الاقتصاد المحلي القائم على المعرفة الذي تقول البلاد إنها تسعى إليه. وتندرج الاستثمارات ضمن صندوق الأجيال القادمة التابع للجهاز، الذي يُسمى أحياناً محفظة الأجيال، ويدير الأصول الخارجية للجهاز في أكثر من 50 دولة بتفويض لتحقيق عوائد متنوعة طويلة الأجل. وفي السياق الإقليمي والاستراتيجي، تتحول القصة إلى قصة خليجية مألوفة بلمسة عمانية. فعُمان تسعى إلى الهدف الأساسي ذاته الذي يسعى إليه جيرانها الأكبر، أي توظيف رأس المال السيادي للتنويع بعيداً عن النفط والغاز وبناء اقتصاد يتطلع إلى المستقبل، وهو طموح أضفت عليه رؤية عُمان 2040 طابعاً رسمياً. لكن طريقة تنفيذ ذلك تكشف الاستراتيجية وقيودها معاً. فعُمان لا تملك ما يقترب من القوة المالية لصندوق الاستثمارات العامة السعودي أو الأذرع السيادية لأبوظبي، التي تضخ عشرات المليارات مباشرة في الذكاء الاصطناعي والرقائق والتقنيات الحدودية، وتبني أحياناً قطاعات محلية كاملة حول تلك الرهانات. ويبدو نهج عُمان أكثر تواضعاً، وربما أكثر واقعية، إذ يقوم على اتخاذ مراكز مدروسة في منظومات ابتكار راسخة ورائدة في الخارج بدلاً من محاولة بنائها محلياً من الصفر. ويُعد الدخول إلى كامبريدج وأكسفورد، وهما من أكثر تجمعات التقنية العميقة إنتاجاً في العالم، وسيلةً للوصول إلى ابتكار عالمي المستوى دون التكلفة والمخاطر الهائلة لبناء منظومة مماثلة في مسقط. والتحفظ الصريح هنا أن طموح نقل المعرفة سهل الإعلان وصعب التنفيذ فعلاً، فامتلاك حصة في صندوق للحوسبة الكمية في بريطانيا لا يتحول تلقائياً إلى قدرات في الحوسبة الكمية في عُمان، والفجوة بين الانكشاف المالي والقدرة المحلية الحقيقية هي حيث تتعثر كثير من هذه الاستراتيجيات بصمت. ولا يتحقق النقل إلا إذا تبعته شراكات مدروسة وتنمية للمواهب وقدرة محلية على الاستيعاب، ولا يضمن الاستثمار وحده أياً من ذلك. ومع ذلك، يبدو التوجه متماسكاً ومنطقياً لدولة بحجم عُمان، فهي تعمل في حدود إمكاناتها، ساعيةً إلى عوائد متينة طويلة الأجل مع إبقاء نافذة مفتوحة على التقنيات التي ستحدد ملامح العقود المقبلة، وتهيئة نفسها للاستفادة منها متى استطاعت بناء الأسس المحلية اللازمة لذلك. ويبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت تلك النافذة ستتحول إلى مسار فعلي لتدفق المعرفة إلى السلطنة، لا مجرد حيازة مالية أُحسن اختيارها، وهو اختبار ستتضح نتائجه على مدى سنوات طويلة لا في العناوين.