الذكاء الاصطناعي يدخل قطاع البناء السعودي من المشتريات إلى تشغيل الأصول
Category: Enterprise & SaaS
Published: 2026-09-26T12:13:00.000Z
تُظهر جولة التمويل الأولية لـفيتنغ بقيمة 1.1 مليون دولار لأتمتة مشتريات قطاع البناء، إلى جانب اتساع التبني عبر منصات مثل بركز، أن تقنيات البناء في السعودية تتجاوز رقمنة المعاملات الورقية نحو برمجيات تمس طريقة سير المشاريع فعلياً.
لا يقتصر بطء تبني قطاع البناء للبرمجيات على المملكة العربية السعودية، بل هو نمط يظهر في كل الأسواق تقريباً، ويرتبط ببنية القطاع القائمة على المشاريع، واعتماده على مقاولي باطن صغار ومتوسطين لا يملكون ميزانيات مخصصة للتقنية، والطبيعة المادية الميدانية للعمل نفسه، التي تقاوم نوع الأدوات السحابية العاملة عن بعد التي غيّرت قطاعات أخرى في وقت أبكر. أما ما يجعل السوق السعودية لافتة حالياً فهو حجم نشاط البناء الجاري في البلاد، الذي يخلق طلباً كبيراً قابلاً للاستهداف أمام أي شركة تقنية تحل مشكلات التنسيق في القطاع أولاً. فقد كان البناء من أبطأ القطاعات في تبني البرمجيات في كل مكان تقريباً في العالم، والسعودية ليست استثناءً، إذ جرت المشتريات تاريخياً عبر المكالمات الهاتفية وجداول البيانات والمستندات الورقية التي تربط مقاولين وموردين كثيراً ما لا يتشاركون أي نظام موحد للسجلات. لكن ذلك بدأ يتغير، والتغييرات تصل إلى أكثر من طبقة في عملية البناء في آن واحد. والمشتريات هي الطبقة التي يظهر فيها هذا التحول بوضوح أكبر حالياً، ولهذا يرتكز عليها هذا المقال رغم أن فرصة الذكاء الاصطناعي في البناء يُرجح أن تمتد بمرور الوقت إلى ما هو أبعد منها بكثير. فقد جمعت فيتنغ (Fitting) جولة تمويل أولية بقيمة 1.1 مليون دولار لأتمتة مشتريات البناء في السعودية، وهي تبني برمجيات تربط المقاولين بالموردين مباشرة بدلاً من القنوات غير الرسمية التي اعتمد عليها القطاع. والمشتريات نقطة منطقية للبدء في أتمتة أعمال البناء: ففيها تتركز حصة ضخمة من تكلفة المشروع، وتولّد حجماً كبيراً من المعاملات المتكررة، وهي، على خلاف أعمال البناء المادية نفسها، عملية تستطيع البرمجيات اختصارها بشكل ملموس من دون المساس بأي شيء في موقع العمل الفعلي. والنظر إلى ما هو أبعد من شركة ممولة واحدة نحو المجال التنافسي الأوسع اختبار مفيد لمعرفة ما إذا كانت الفئة فرصة سوقية حقيقية أم رهاناً منفرداً من مستثمر واحد وفريق مؤسس واحد. وفيتنغ ليست وحدها في استهداف تقنيات البناء السعودية، إذ بنت بركز (BRKZ)، وهي منصة سعودية أخرى لتقنيات البناء، عرضها الخاص في المجال الواسع ذاته المتمثل في الربط الرقمي لسلسلة إمداد البناء. ووجود أكثر من شركة تسعى إلى حل هذه المشكلة إشارة بحد ذاته: فمشتريات البناء في السعودية سوق كبيرة بما يكفي، ونقطة الألم فيها حقيقية بما يكفي، لاستيعاب أكثر من محاولة لحلها بدلاً من فائز واحد واضح. وتقع أتمتة المشتريات حيث يتركز التمويل المعلن الذي يتناوله هذا المقال اليوم، لكنها ليست سقف الذكاء الاصطناعي في البناء. فالطبقات التالية، أي تحسين الجدولة والتنبؤ بالمواد، ثم تشغيل الأصول بعد اكتمال المبنى، تعتمد جميعها على التحول الأساسي ذاته: نقل بيانات البناء من جداول البيانات والورق إلى أنظمة يمكن الاستعلام منها ونمذجتها. وبرمجيات المشتريات هي فعلياً أول موضع تبدأ فيه هذه البيانات بالتراكم بشكل منظم، وهو ما يجعل الطبقات اللاحقة ممكنة في نهاية المطاف. ولم تكشف أي من الشركات التي يتناولها المقال عن منتجات مخصصة لطبقة تشغيل الأصول بعد، لكن التسلسل، أي رقمنة طبقة المعاملات أولاً ثم بناء أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي فوق البيانات التي تولّدها، يحاكي الطريقة التي دخل بها الذكاء الاصطناعي قطاعات تقليدية أخرى. ومقارنة فئة ناشئة بفئة أكثر رسوخاً تشبهها من أكثر الطرق موثوقية للتنبؤ بمسارها المرجح من دون تخمين تفاصيل لم يُكشف عنها بعد. فالتسلسل الجاري في تقنيات البناء السعودية يحاكي إلى حد كبير ما حدث في التقنية المالية قبل عدة سنوات: رقمنة طبقة المعاملات الأساسية أولاً، ومراكمة بيانات منظمة نتيجة جانبية لتلك الرقمنة، ثم بناء أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي التي تعتمد على توفر تلك البيانات أصلاً في مرحلة لاحقة فقط. وقد مرت التقنية المالية السعودية بهذا التدرج تماماً، إذ سبقت رقمنة المدفوعات وبنى المصرفية المفتوحة تحوّل تقييم الائتمان بمساعدة الذكاء الاصطناعي وكشف الاحتيال إلى خيارات مجدية. وتبدو تقنيات البناء متأخرة ببضع سنوات عن هذا المنحنى، إذ تمر حالياً بمرحلة «رقمنة طبقة المعاملات» التي تشغلها فيتنغ وبركز، فيما لا تزال الطبقة القائمة على الذكاء الاصطناعي فوق تلك البيانات في معظمها أمامنا لا منجزة بالفعل. وإذا سارت تقنيات البناء على المسار الذي سلكته التقنية المالية، فلن تكون المحطة البارزة التالية منصة مشتريات جديدة، بل أول منتج للذكاء الاصطناعي مبني تحديداً فوق البيانات التي بدأت منصات مثل فيتنغ بمراكمتها بالفعل، أي شيء أقرب إلى التنبؤ الاستباقي بالمواد، أو التحقق الآلي من الامتثال لمواصفات المشروع، أو مراقبة أداء الأصول في نهاية المطاف بعد تشغيل المبنى. ولم تكشف الشركات التي يتناولها المقال عن أي من ذلك، وهو بحد ذاته سياق مفيد: فرغم الإطار المرتبط بالذكاء الاصطناعي الذي يرافق تغطية تقنيات البناء عموماً، يبقى المنتج الأكثر تحديداً والممول فعلياً في القطاع اليوم هو أتمتة المشتريات، لا الذكاء الاصطناعي بالمعنى المتقدم الذي يوحي به هذا الإطار أحياناً. وهذا هو الجزء من الأطروحة الذي يراهن عليه المستثمر فعلياً، بما يتجاوز منتج المشتريات نفسه. فالمشتريات طبقة سليمة استراتيجياً للاستحواذ عليها لسبب يتجاوز السهولة: فمن يقف في مركز تدفق المعاملات بين المقاولين والموردين يراكم أغنى مجموعة بيانات وأكثرها صلة تجارية في عملية البناء بأكملها، أي من يشتري ماذا، ومن مَن، وبأي سعر، ومدى موثوقيته. وهذا الموقع ذو قيمة بصرف النظر عن أي طبقة ذكاء اصطناعي تُبنى فوقه لاحقاً، وهو جزء من سبب قابلية شركة مشتريات في مرحلة التمويل الأولي مثل فيتنغ للاستثمار استناداً إلى منتج المشتريات وحده. وبعبارة أخرى، فإن فرصة الذكاء الاصطناعي خيار إضافي فوق نشاط مفيد أصلاً، لا الحجة الاستثمارية بأكملها. وقطاع البناء في السعودية كبير بما يكفي لأن تمثل حتى شريحة ضيقة منه، كالمشتريات وحدها، سوقاً قابلة للاستهداف ذات حجم كبي